الشيخ محمد رشيد رضا
376
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لقالوا لعمر ان السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس ، فلم فعدل عن الامر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل أفضل الخلق ، إلى أن نتوسل ببعض أقاربه ؟ وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل ، وسؤال اللّه تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما ، ونحن مضطرون غاية لاضطرار ، في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب . والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بالعباس « وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم انه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح ، قالوا وان كان من أقارب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فهو أفضل اقتداء بعمر . ولم يقل أحد من أهل العلم انه يسأل اللّه تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي « وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره « 1 » بعد موتهم ، أو نقل ذلك عن امام من أئمة المسلمين غير مالك كالشافعي وأحمد وغيرهما ، قد كذب عليهم . ولكن بعض الجهال ينقل هذا ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة ، ولكن من الناس من يحرف نقلها وأصلها ضعيف كما سنبينه ان شاء اللّه تعالى » اه المراد منه ومن أراد ان يحيط بهذه المسألة علما تفصيليا فليقرأ كتاب ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) كله . وأما القول الجملي الجامع فهو ان الوسيلة ما تتقرب به إلى اللّه تعالى ، وترجو أن تصل به إلى مرضاته ، وهو ما شرعه لك لتزكية نفسك ، إذ جعل مدار الفلاح على تزكيتها . والتوسل هو ابتغاء الوسيلة المأمور به هنا ، أي العمل بالمشروع لتزكية النفس ، وقد دل كتاب اللّه في جملته وتفصيله على أن مدار النجاة والفلاح على الايمان والعمل الصالح ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى * - يوم تجزى كل نفس بما تسعى * - هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
--> ( 1 ) في الأصل « أو غير » ولعل الصواب أو غيره اي من الأنبياء